د. بشير موسى نافع
الأزمة الهائلة التي قوضت أسواق المالي العالمية الرئيسية هي مؤشر قاطع على
فشل
السياسة الليبرالية الجديدة، التي بدأت الزحف نحو السيطرة على المجال
الاقتصادي
العالمي منذ اكثر من ربع قرن بقليل. كانت دول مثل بريطانيا ثاتشر، أمريكا
ريغان،
تركيا أوزال، وأرجنتين العسكر اليمنيين، من أوائل الدول التي اتجهت نحو
تطبيق
النموذج الليبرالي الجديد؛
ولكن هيمنة النموذج لم تتحقق إلا بعد سقوط الشيوعية
وانهيار الاتحاد السوفياتي. طوال معظم القرن العشرين مثل التصور الاشتراكي
التحدي
الرئيسي للرأسمالية - الليبرالية، سواء على المستوى النظري أو على المستوى
التطبيقي. وبالرغم من ان السمة الرئيسية للحرب الباردة تجلت في سباق التسلح
وفي
الصراع على القوة والنفوذ عبر العالم وفي سلسلة من الحروب المحدودة في
بلدان العالم
الثالث، فإن وجهاً آخر للحرب الباردة لا يقل أهمية كان ينمو ويتشكل في
الساحة
الفكرية، في الأوساط الأكاديمية ومراكز الأبحاث. وفي هذه الأوساط بالذات
ولدت
مجموعة الأفكار التي ستعرف بعد ذلك باسم 'النيو ـ ليبرالية'. اليوم، وبعد
أقل من
عشرين عاماً على انهيار النموذج الاشتراكي، تعصف الأزمة المالية الطاحنة
بمصداقية
النيو ـ ليبرالية، وإيمانها الأعمى بحرية السوق وحكمته.
لم يكن اعتراض
الليبراليين الجدد على النظام الاشتراكي اعتراضاً اقتصادياً وحسب؛ بمعنى
أنهم لم
يوجهوا الانتقاد لكفاءة النهج الاشتراكي الاقتصادي ومصداقية وعوده فقط، بل
أن نقدهم
كان فلسفياً أيضاً.
النظام الاشتراكي، قال هؤلاء، هو نظام مركزي، تحكمي،
استبدادي،
يخلق مجتمعاً من العبيد، يفتقد القدرة على الإبداع والتقدم والمبادرة، نظام
تتمتع
فيه الدولة بسلطة المرجعية المطلقة، تمتلك قوته التحكمية، وتقوم باعتبارها
تجليه
الأوحد، نظام لا يسمح بكينونة إنسانية خارج نطاق الدولة. لذا، فإن النضال
الإنساني
الكبير هو النضال ضد الشر المطلق الذي يجسده النظام الاشتراكي. والبديل هو
مجتمع
حر، عماده حرية السوق والنشاط الاقتصادي، مجتمع ليس للدولة فيه من دور إلا
دور
المراقب البعيد. في مجتمع الحرية هذا يصبح الالتزام المقدس هو التزام الفرد
تجاه
ذاته، وسعيه الحثيث لتحقيق طموحاته وأهدافه. بهذه القداسة للفرد وعمله
المستمر
لإشباع رغباته الاقتصادية تطلق قوى الإبداع والنمو.
وليس لأحد القلق من الفوارق
الطبقية، لأن المجتمعات الإنسانية طبقية بالضروة؛ وليس ثمة من دور للوعظ
الإخلاقي
حول واجبات الفرد تجاه مجتمعه وجماعاته، لأن نمو الثروة والازدهار
الاقتصادي سيعم
الجميع في النهاية، مالكين وعمالاً، طبقات عليا وطبقات سفلى. إن كان النظام
الرأسمالي الليبرالي في صورته التقليدية قد احتفظ ببعض التوازن بين دوري
الجماعة
والفرد، وبين مسؤولية الدولة وحرية السوق، فإن التصور الليبرالي الجديد
أراد القفز
حتى على الميراث الرأسمالي ـ الليبرالي التقليدي.
أدى اعتناق النموذج الليبرالي
الجديد إلى أزمات اجتماعية طاحنة في البداية، من الاضرابات العمالية واسعة
النطاق
إلى الارتفاع الحاد في معدلات البطالة واقتلاع مجتمعات بأكملها، كما حدث
للقرى
العمالية المنتجة للفحم في بريطانيا. ولكن ما أن مرت فترة الصدمة الأولى،
حتى شهدت
دول مثل بريطانيا وتركيا والأرجنتين انتعاشاً اقتصادياً ملحوظاً. وبعد
سنوات من
التوقعات المتشائمة حول موقع الولايات المتحدة الاقتصادي، مقارنة مع
ألمانيا
واليابان، عادت عجلة الاقتصاد الأمريكي لتؤكد من جديد على القيادة
الأمريكية
للاقتصاد العالمي في كل المجالات تقريباً، من الصناعة التقليدية والتقنيات
الحديثة
إلى سوق الخدمات المالية. وقد تعزز الخيار الليبرالي الجديد بالتحول
الاقتصادي في
الصين (التي اختارت التخلي عن النظام الاشتراكي بدون أن تقع في الفخ
الليبرالي
الجديد كلية)، وبانهيار الكتلة الشرقية والاتحاد السوفياتي في نهاية
الثمانينات.
الليبرالية الجديدة، بهذه الصورة أوتلك، وبهذا المستوى أو ذاك، أصبحت
خياراً
عالمياً. في دول مثل مصر وتركيا والمكسيك، حيث سيطر القطاع العام طوال عقود
على
مساحة واسعة من النشاط الاقتصادي، تسارعت عمليات الخصخصة بمعدلات غير
مسبوقة، وأخذت
الدولة تتخلص من ممتلكاتها، حتى بدون أن تحصل على المقابل المالي المعقول،
على أساس
أن توسيع نطاق القطاع الخاص سيعزز من النمو والازدهار ويوفر مستويات عالية
من الدخل
الضرائبي لميزانية الدولة. وفي بلدان كانت اتبعت نهجاً رأسمالياً حافظت فيه
الدولة
على دور نشط وموقع رقابي حاسم، مثل المجموعة التي عرفت بالنمور الآسيوية،
أخذت
الدولة تتخلى شيئاً فشيئاً عن دورها السابق. عندما نشر فرانسيس فوكويوما
كتابه
'نهاية
التاريخ' ما كان يقصده بوصول الإنسان إلى نهاية بحثه عن التصور المثالي
للاجتماع البشري ليس فقط الديمقراطية بمحتواها وآليتها السياسية، ولكن
أيضاً
الليبرالية الجديدة بنهجها الاقتصادي. وقد انتشر أنبياء الليبرالية الجديدة
في كافة
مواقع التأثير: أقسام الاقتصاد في أبرز الجامعات الغربية الكبرى، مراكز
البحث
والتفكير، صندوق النقد والبنك الدوليان، دوائر الأمم المتحدة المتخصصة،
مجموعات
المستشارين الحكوميين، مدراء شركات عملاقة، صحافيون ورؤساء تحرير صحف
ونشرات
إخبارية، وسياسيون من كافة أطياف الأحزاب الحديثة.
في نهاية التسعينات، تعرضت
دول أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا وتركيا لانهيارات اقتصادية مدمرة، لم
تخرج
منها سالمة سوى ماليزيا، وبالكاد. لم يعد للعملة الأرجنتينية من قيمة،
ودخلت تركيا
إلى عالم فلكي وغير معقول من التضخم، بينما تدافع عشرات الملايين من
الأندونيسيين
إلى مراكز القمامة بحثاً عما يسد الرمق. ولكن قلة فقط أشارت بأصابع الاتهام
لأسس
النهج الاقتصادي الذي أخذ في السيطرة على السوق العالمية، السوق التي ساهم
التقدم
المتسارع في وسائل الاتصال ونهاية الحرب الباردة في ترابطها بشكل لم يعرف
التاريخ
الإنساني مثيلاً له. وقدمت تفسيرات مختلفة للأزمة لم يكن من بينها وحشية
قوى السوق
وافتقادها الحكمة والمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية. وسرعان ما ساعد النمو
الاقتصادي الكبير في الصين والولايات المتحدة وأوروبا الغربية، والقروض
التي قدمتها
المؤسسات المالية الدولية، على إخراج دول أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا
من براثن
الأزمة. وحتى أولئك الذين تجرأوا على الإشارة بأصابع الاتهام نحو السياسة
الليبرالية ـ الجديدة سرعان ما اضطروا للصمت، أو أن أصواتهم خفتت أو همشت
إلى حد
كبير. ولأن أزمة نهاية التسعينات أطبقت على مناطق غير مركزية من الخارطة
الاقتصادية
للعالم، وليس على الكتلة الأطلسية، فإن الجدل الذي أثارته لم يكن واسعاً
ولا عميقاً
على أية حال.
ما يحدث اليوم يمس دول المركز، بل والسوق الأمريكية ذاتها، قاطرة
العالم الاقتصادية ـ المالية منذ ما بعد الحرب الثانية. البنوك وشركات
الإقراض
والتأمين المالي التي أفلست أو أشرفت على حافة الإفلاس هي بعض من أضخم
المؤسسات
المالية في العالم، ومصيرها لا يؤثر على عدد من المستثمرين الكبار أو
الصغار وحسب،
بل وعلى دول وصناديق سيادية وبنوك وشركات تجارية من تلك التي يتعامل معها
المواطنون
يومياً في كافة مدن العالم. الذين قالوا ان الأزمة الحالية لن تصل إلى
مستوى
الانهيار الذي عاشته الولايات المتحدة ودول أخرى عديدة في نهاية العشرينات
من القرن
الماضي هم بالتأكيد محقون. فالعالم اليوم في وضع أفضل بكثير من حيث مقدرته
على
التعامل مع الأزمات المالية والاقتصادية الكبرى؛ وقد رأينا كيف تحركت الدول
والبنوك
المركزية في كافة الدول الصناعية الرئيسية لمحاصرة الأزمة ومنعها من
التفاقم. ولكن
ذلك لا يعني أن الاقتصاد العالمي سيخرج من هذه الأزمة سريعاً أو بدون
تكاليف باهظة.
إلى جانب الخسائر الهائلة لكافة أصناف المستثمرين، فإن الأموال التي ضخت
لإنقاذ
المؤسسات المالية المهددة هي أموال دافعي الضرائب، مما قد يؤدي إلى ارتفاع
عجز
ميزانيات عدد من الدول. والانهيارات المالية، إلى جانب المستويات المرتفعة
لأسعار
الفائدة، ستترك اثرها على عجلة الانتاج والنمو الاقتصاديين، إلى ارتفاع
معدلات
البطالة، وإلى تراجع الطلب على عدد متزايد من السلع. وهم النمو الاقتصادي
المستمر،
وهم الازدهار والرخاء المتصل، الذي وعدت به الليبرالية الجديدة قد وصل إلى
نهايته.
ولم يعد من منقذ سوى أداة الدولة، وليس من يحمل عبء الإخفاق سوى دافعي
الضرائب،
ملايين العاملين من المواطنين العاديين.
قد تنتهي أزمة الأسابيع القليلة الماضية
كما انتهت أزمة نهاية التسعينات، أي بالنجاح في إنقاذ الاقتصاد العالمي من
الانهيار
الشامل، بغض النظر عن التكاليف ومن يتحملها، ومن ثم تجاهل الدلالات الكبرى
لهذه
الأزمة أو نسيانها. وليس ثمة شك في أن دوائر الليبرالية ـ الجديدة من
النفوذ
والاتساع بحيث يمكنها بالفعل أن تؤثر على القرار والعقل العالميين على
السواء. في
عدد كبير من الدول الغربية، ضاقت المسافة الفاصلة بين صانع القرار وطبقة
رجال
الأعمال والمال إلى حد كبير؛ وفي دول أخرى من العالم، بما في ذلك العدد
الأكبر من
الدول العربية، أجتمعت مقاليد المال ومقاليد الدولة في يد طبقة واحدة
بالفعل.
وقد عاشت دوائر المال والأعمال خلال العقدين الماضيين عهداً من تراكم
الثروة لم
تشهده منذ عصور القرصنة والنهب الاستعماري المبكر. وهؤلاء لن يسمحوا بإعادة
نظر
جذرية في النظام الاقتصادي المهيمن. الخيارات المتاحة محدودة، سيقول هؤلاء؛
فالعالم
جرب من قبل النظام الاشتراكي ورأى حجم الكارثة التي أوقعها بحياة مئات
الملايين من
الشعوب الأوروبية والعالم
ثالثية.
والحقيقة أن المجتمع الإنساني ليس مجبراً على
واحد من خيارين لم يعد لأي منهما من مصداقية. وفي الدول العربية، على وجه
الخصوص،
وأغلب دول العالم الثالث، حيث البنية الاقتصادية أضعف من ان تتحمل العواقب
الفادحة
للسياسة الليبرالية الجديدة، أصبحت إعادة النظر مسألة حياة.
25/9/2008 القدس العربي
'
كاتب وباحث
عربي في التاريخ الحديث
عودة