European Languages Multimedia مواقع وصحف كتب ومنشورات ملفات خاصة تقارير ودراسات انتهاكات حقوق الإنسان مقالات سياسية الصفحة الرئيسية

 

 

 

 

 

 

                                                                              في تحليل السياسة العربية محاسبة الذات الباحثة..                                   

من بين ما دفعتني إليه أزمة شخصية عصفت بكياني خلال الأسابيع الماضية كان الشروع في محاسبة الذات مهنياً بإعادة النظر في القناعات الرئيسية الحاكمة لفهمي للمجتمعات العربية وقضاياها الكبرى وتقييم أدائي الأكاديمي والإعلامي بحثاً عن مدى تطابقه مع قناعاتي هذه وقدرته على توصيل مفرداتها للجمهور المخاطب. وقد أفضت بي محاسبة الذات إلى ما يشبه كشف حساب أولي لمساحات الالتباس في التحليل ومناط الإخفاق في العرض أود بهذا المقال عرضه على قراء الحياة لكونهم قرائي الرئيسيين في الصحافة العربية ولاعتقادي أنني بالتباسي وإخفاقاتي، أو في جزء منها على أقل تقدير، إنما أعبر عن قطاع من الباحثين والمهتمين العرب لم يقو تماماً بعد على جراءة الطرح وعلى السباحة ضد التيار. فمن جهة أولى، ومع أن قضايا الديموقراطية والتعددية والحريات السياسية وحقوق الإنسان في المجتمعات العربية استحوذت على جل جهدي الفكري والأكاديمي، إلا أن تناولي لها شابه التركيز المخل على تساؤل وحيد هو كيف يمكن لحركات المعارضة غير العنفية توليد ضغوط كافية على النخب السلطوية الحاكمة لإنجاز تحول ديموقراطي حقيقي مفرداته تداول السلطة والمنافسة والانتخابات الدورية ومشاركة المواطنين. لم التفت طويلاً لطبيعة المعارضات، إسلامية كانت أو ليبرالية ويسارية، ولبناها التنظيمية وممارساتها على أرض الواقع ومدى قربها أو بعدها عن الجوهر الديموقراطي وتداعيات كل ذلك المباشرة على أدوارها السياسية. رتب الافتراض الاختزالي أن مجرد تواجد حركات معارضة غير عنفية إنما هو خير في حد ذاته ورافعة لفرص التحول الديموقراطي التباساً بيناً في العديد من كتاباتي التي عجزت عن الإشارة إلى التحديات المرتبطة بمعارضات تغيب عنها الديموقراطية الداخلية وتعجز عن ممارستها علنياً ولا تتورع عن أن تساوم على قيم التعددية ومدنية الحياة السياسية واحترام حق الآخر في الوجود كلما اقتضت ذلك الحاجة لتحريك قطاعات شعبية ما لبث مزاجها العام إقصائي النزعة. بل الأخطر من ذلك هو حقيقة أن التركيز على حركات المعارضة وأدوارها قد دفعني إلى تجاهل البحث المنظم في العديد من القضايا المجتمعية والمؤسسية المعوقة للتحول الديموقراطي في عالمنا العربي، وأهمها بلا ريب سطوة التراكيب القبلية والعشائرية في بعض المجتمعات وانفراط عقد الهوية الوطنية وتفسخها إلى مجموعة متناقضة من الهويات والولاءات الأولية العرقية والدينية في البعض الآخر والضعف الشديد للمؤسسات التشريعية والقضائية ولآليات مشاركة المواطنين المنوط بها صناعة ثقافة التعددية والمسؤولية والاهتمام بالعمل العام. هنا ليس بكاف مجرد التعويل على دينامية الحياة السياسية حين انفتاحها للتعامل الإيجابي مع معضلات المجتمع وأوجه القصور المؤسسي، بل هو تعبير عن مقاربة استخفافية اتسمت بها بعض كتاباتي المغرقة في تفاؤلها حول فرص الديموقراطية. من جهة ثانية، كثيراً ما خشيت التطرق في كتاباتي الصحافية ومداخلاتي عبر الفضائيات العربية إلى أمور رأيتها دوماً في موضع القلب من معضلات مجتمعاتنا وتطور لي منها خلال الأعوام الماضية مواقف واضحة تتسق مع إيماني بالقيم الليبرالية. لم أقدر على تناول مسألة العلمانية وحتميتها كسياق أوحد لممارسة الديموقراطية والتعددية وضمان المساواة بين المواطنين مختلفي الديانات والأعراق في الحقوق والحريات المدنية والسياسية وعمدت مراراً حين الكتابة إلى إحلال مفردات لغوية كالمدنية أو تراكيب مفاهيمية من شاكلة الفصل الوظيفي بين الدين والدولة محل العلمانية على نحو تحايلي منقوص المعنى والمضمون. لم أقوَ كذلك على توظيف المساحة الإعلامية المتاحة لي إن للدفاع عن معتقلي الرأي والضمير، وبهم يمتلئ العديد من السجون العربية، أو لتبني قضايا وحقوق المجموعات المضطهدة بين ظهرانينا ابتداء بالنساء مروراً بالأقليات الدينية والعرقية وانتهاءاً بضعفاء المواطنين من الفقراء وأولئك الخارجين في فعلهم الخاص عن حدود المقبول مجتمعياً. يؤلمني صمتي عن الدفاع عن المثقفين والنشطاء السوريين القابعين وراء أسوار معتقلات النظام البعثي أو عن الصديق سعد الدين إبراهيم الذي عطبت سنوات السجن وتعقب النظام المصري له صحته الجسمانية وإن لم توهن من عزيمته. أردت أن أبدو أمام القراء والمشاهدين العرب بصورة الباحث الملتزم بقيم الديموقراطية ومضامينها دون المخاطرة بإغضابهم بطرح قضايا أؤمن بها كالعلمانية أضحت للعديد من الأسباب سيئة السمعة بينهم ومع مراعاة الخطوط الحمراء للنظم العربية خوفاً على نفسي وحريتي. والمحصلة هي مستوى إضافي من الاستخفاف في التحليل والوقوع في براثن مأزق التزام حدود المقبول والمسموح الخانق للإبداع. أخيراً، وبصراحة شديدة، تورطت تلفزيونياً في بعض الأحيان في مسايرة ديماغوجية للاتجاهات الغالبة في الرأي العام العربي بالرغم من تحفظاتي عليها وحقيقة اضطراب أفكاري حولها. فقسوت على الغرب ولعنت مطامع الأميركيين والأوروبيين في عالمنا واختزلت سياستهم في ركض مستمر وراء المطامع هذه، ولم تشفع لا الحوارات مع بعض صناع القرار في العواصم الغربية ولا الأجواء المتوازنة هناك للنقاش السياسي والعام حول شؤون العرب وقضية الديموقراطية لأخذ الحذر والاحتياط قبل التعميم. استبعدت كذلك صدق توجه بعض النخب العربية الحاكمة نحو إحداث نقلات نوعية هامة في البناء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لمجتمعاتهم والتحديث التدرجي لمؤسساتها بصورة قد تدفع في المستقبل القريب إلى تحولات ديموقراطية حقيقية. نعم كان وما زال لدي من الشواهد ما يكفي لاستبعاد صدق النوايا والتوجه في بعض الحالات كتونس ومصر والأردن واليمن، إلا أن قرائني ودلائلي شحيحة للغاية حين النظر إلى المغرب والعراق والكويت على اختلافها. هنا أيضاً أنتج التعميم طابعا تلفيقيا اعترى التحليل وسلسلة من الالتباسات الإضافية ربما خدعت المشاهد لتوافقها مع قناعاته الغالبة. ليست الأفكار السابقة محاولة لجلد الذات في لحظة أزمة شخصية ولا هي مقدمة لطلب صك غفران من القراء والمشاهدين العرب، بل بحث أردته صريحاً ومباشراً لمواطن الخلل في التحليل تقتضيه أمانة التواجد في ساحات النقاش العام ومن قبلها مسؤولية الكلمة.  

قراءة في التحليل:

منتج المعرفة حين يراجع نفسه: عمرو حمزاوي نموذجا

البديل المصرية في 25/9/2008

د. صلاح أبونار
إذا كنت قد قرأت مقالاً للدكتور عمرو حمزاوي في إحدى الصحف،  أو استمعت لتعليقاته أو مداخلاته في إحدى الفضائيات فمن المرجح أنك قد وجدت نفسك في حالة اعجاب بما يقوله الرجل، تولد داخلك رغبة في المتابعة المستمرة لمساهماته في إطار وسائل الإعلام العربي. فالدكتور  حمزاوي باحث معلق سياسي قدير، يجمع في عمله بين المتابعة الميدانية الدقيقة والدائمة للظواهر التي يتناولها، وإطار تحليلي كفء ومرن، وقادر على التوصيل، وروح الانتماء إلي الامة العربية وقضاياها الأساسية.
في عدد صحيفة "الحياة" الصادر يوم الخميس الموافق 18سبتمبر، كتب الدكتور حمزاوي مقالاً لافتاً بعنوان: "في تحليل السياسة العربية: محاسبة الذات الباحثة". وفي هذا المقال يطرح مايعتبره كشف حساب أولي لعملية مراجعة لكتاباته عن القضايا العربية، وذلك من حيث مدى صحة القناعات الرئيسية الحاكمة لفهمه للمجتمعات العربية وقضاياها، ثم من حيث مد يتطابق أداؤه الأكاديمي مع تلك القناعات وقدرته علي توصبل مفرداتها للجمهور.
ما لفت نظري أساسا في هذا المقال، ليس مضمون النقد الفكري الذي قدمه الكاتب لأعماله، على الرغم من الأهمية  الكبيرة لهذا النقد وصلاحيته للاستخدام كمنطلق لنقد أوسع للأوضاع العربية.
فما لفت انتباهي في البداية هو هذا القدر الهائل من الشجاعة الأخلاقية التي أبداها الكاتب. من السهل نسبيا ممارسة الشجاعة الأخلاقية عندما تكون موجهة للخارج، ولكن قدرتنا علي ممارستها ستواجه اختبارها المصيري عندما نستدير بسلاحها صوب ذواتنا المقدسة غالبا. اجتاز الدكتور عمرو هذا الاختبار بنجاح أسطوري، وكان هو الذي اختار بنفسه دخوله، وحدد بإرادته ميدان ممارسته القاسي علي صفحات أوسع الصحف العربية انتشارا.
   
استمع إليه، وهو يتحدث عن نفسه: "لم أقل كذلك علي توظيف المساحة الإعلامية المتاحة لي للدفاع عن معتقلي الرأي والضمير، وبهم يمتلئ العديد من السجون العربية، أو لتبني قضايا وحقوق المجموعات المضطهدة بين ظهرانينا ابتداء  بالنساء مرورا بالأقليات الدينية، والعرقية وانتهاء بضعفاء المواطنين من الفقراء وأولئك الخارجين في فعلهم الخاص عن حدود المقبول مجتمعيا. يؤلمني صمتي عن الدفاع عن المثقفين والنشطاء السوريين القابعين وراء أسوار معتقلات النظام البعثي، أو عن الصديق سعد الدين إبراهيم الذي عطبت سنوات السجن وتعقب النظام المصري له صحته الجسمانية، وإن لم توهن عزيمته. أردت أن أبدو أمام القراء والمشاهدين العرب بصورة الباحث الملتزم بقيم الديمقراطية ومضامينها دون المخاطرة باغضابهم بطرح قضايا اؤمن بها كالعلمانية أضحت للعديد من الأسباب سيئة السمعة بينهم، ومع مراعاة الخطوط الحمراء للنظم العربية خوفا علي نفسي، وحريتي، والمحصلة هي مستوي إضافي من الاستخفاف في التحليل، والوقوع في براثن مأزق التزام حدود المقبول، والمسموح الخانق للإبداع. وأخيراً وبصراحة تامة تورطت تليفزيونيا في بعض الأحيان في مسايرة ديماجوجية للاتجاهات الغالبة في الرأي العام العربي بالرغم من تحفظاتي عليها وحقيقة اضطراب أفكاري حولها".
ولكن الشجاعة الأدبية مهما كانت ذات حضور استثنائي وخلاب ليست فيما أتصور إنجاز المقال الأساسي. ما أتصوره كإنجاز أساسي للمقال هو تبنيه الصريح والضمني لمفهوم علاقة الكاتب بجمهوره يناقض مفهوم الكاتب السلطة.
الكاتب السلطة ينظر إلي القارئ كمادة عقلية يجري تشكيلها، وكذات سياسية يجري حشدها وتحريكها. علاقة هيمنة فكرية وسياسية، يمكن أن يكون محركها الفكري والسياسي خيراً تماما. فالكاتب قد يستهدف التقدم والديمقراطية والعدالة، بصدق، ودونما ادعاء وبمعزل عن أي مصالح ذاتية، ومع ذلك تتسم علاقته بجمهوره بطابع الهيمنة الفكرية. ذلك أنها  في أغلب الأحوال ليست خيارا فكريا، بل نتيجة طبيعية لخلل بنيوي داخل العلاقة بينهما. مصدرة التفاوت في امتلاك المعرفة، والتفاوت في الفعالية الاجتماعية، وتفاوت علاقة الطرفين بمؤسسات إنتاج وتوزيع المعرفة
علي النقيض من هذا المفهوم يقف المفهوم الذي يتبناه المقال، والذي سأدعوة مفهوم الكاتب المنتج للمعرفة. سأذكر القارئ أنني أمارس تحليلا لمادة ضمنية، وهو مايعني ضرورة وجود مفارقة، إلا أن المفارقة هنا تعني أساسا، وفيما أتصور الاختلاف في شكل الوجود وليس التناقض الجوهري في المعني. الكاتب المنتج للمعرفة يدخل في علاقة جدلية تبادلية مع جمهوره،  تسعي لتحويل المعرفة إلي قوة فاعلة في الواقع، ولكن ليس عبر القولبة والحشد، بل عبرالحوار معه. وبالتالي لا تفعل ذلك عبر النظر إليه كمحض تابع يتلقي، بل كذات تفعل، وتتفاعل، وكمرجعية سياسية
ولا يمكن للكاتب المنتج للمعرفة أن ينأي بنفسه، عن فعل العوامل الموضوعية التي سبق لنا الإشارة إليها، والتي مكنت الكاتب السلطة من ممارسة هيمنته علي جمهوره. فما يمكنه فعله أن يعمل علي تحييدها قدر الإمكان، عبر الحركة في أكثر من اتجاه. وذلك من خلال تحصين نفسه بالوعي بكم التحيزات العميقة التي يمكن أن يتعرض لها، والنقص الحتمي في أدوات معرفة أي كاتب، والتيارات الفكرية المتناقضة في إطار عالم السياسة، وعمق وسرعة التحولات الفكرية. ثم من خلال العمل الدائم علي توليد الحس النقدي داخل جمهوره، وتربيته علي الشعور بالندية تجاهه ومخاطبته من موقع الشريك، وليس من موقع الأب الوصي، وصياغة لغة تخاطب ديمقراطية تحرص علي طرح الاحتمالات والخيارات وتنير التناقضات، وتدفع صوب التفكير والتأمل وتنمي الشعور بنسبية الظواهر.
والحاصل أن الكاتب السلطة قابل للظهور الآلي، من واقع وجود عناصر مقومات تكوينه داخل تفاوت الواقع نفسه. أما الكاتب المنتج للمعرفة فهو نضال إنساني، لإحلال علاقة جديدة بين الكاتب وجمهوره، تدخل في تناقض عميق مع بني  التفاوت والهيمنة داخل الواقع السياسي

 عمرو حمزاوي

الحياة اللندنية..18/9/2008

 
Copyright © 2008, PADDH. All rights reserved.
 |Hall 12- Rue P.V.Couturier 92240 Malakoff- France
 Contact Sadasolidarity |