|
أيام غزة تركب حصاناً طروادياً، تخترق الحصون،
وتقفز الحواجز، وكأن على صدر اليوم الواحد في غزة تلتقي فصول
السنة، فما أن يبدأ الخريف، حتى تعبر على الناس موجة برق، ورعد،
وعواصف عاتية، تحسبها جارفة ستقتلع غزة من جذورها، وتلقيها في
البحر، وفي المساء تذوب العاصفة، وتنتهي الغمة، لتنام غزة هادئة
هانئة تحت ضوء القمر، على أمل أن تفرك كعبها صباحاً برمال البحر.
عجيب أمر الحياة في غزة، وتقلبات الزمن، حتى مطلع
سنة 2005، كانت غزة تحت الاحتلال الإسرائيلي المباشر، وكانت
المستوطنات تمزق المسافة القصيرة الفاصلة بين مدينة وأخرى، كانت
الحواجز الإسرائيلية تعلن عن الاحتلال، وكانت القيادة الإسرائيلية
تصر على أن مستوطنات غزة باقة إلى الأبد، وأن مستوطنات غزة المعادل
الموضوعي لمدينة تل أبيب، وكان المستوطنون يهاجمون بيوت المواطنين
في غزة، ويهددونهم بالترحيل، والقذائف الإسرائيلية تتساقط على كل
مكان، مع نسف البيوت، والهدم، والتهجير، حتى باتت غزة على حافة
الانقراض، وما أن اقترب سبتمبر 2005، ومع انسحاب الجيش الإسرائيلي،
ورحيل آخر المستوطنون، حتى صارت غزة خالية من اليهود، فإذا بالطرق
المغلقة قد فتحت، وإذا بالأرض قد اتسعت بعد أن ضاقت، وإذا بغزة قد
صفت بعد أن تلبد سماؤها بضباب الاحتلال.
ما أعجب أيامك يا غزة، طوال سنة 2006، وبعض سنة
2007، غرقت غزة في خلافات داخلية، وسيطر الرصاص على شوارعها، وتحرك
غول الانفلات، وصار الفلسطيني في غزة غير آمن على نفسه، وعلى
نسائه، وعلى ببته، وممتلكاته، سهم الانفلات يصيب كل حياة، ويخترق
كل موقعِ، وحال الناس ينذر بكرب، والموت يطوف بالشوارع، وبعض
منفلتين يقتحمون المؤسسات، ويعيثون فساداً بلا حرمة للإنسان، أو
للأشياء، أو للذاكرة، واصطكت أسنان غزة من برد الخلاف، ومن انقطاع
الرواتب، وفجأة؛ في يونيه 2007، صفا جو غزة، وساد الأمن، وذهبت بلا
رجعة كل مظاهر الانفلات، واقتحام المؤسسات، وصار للوطن هيبة،
وللأمن مكانة، وتدفقت الرواتب على غزة من مصدرين بدلاً من مصدر
واحد.
عجيبة أنفاسك يا غزة، في مطلع سنة 2008، بلغت قيمة
علبه السجائر سبعة دولارات، وصارت علبة السيجارة تعادل كيلو لحمة
عجل، وأوشك كثير من المدخنين على الإقلاع، أو التخفيف، وصار جو غزة
نقياً من الدخان، وفجأة؛ تدفقت السجائر على غزة من كل الأصناف،
وصارت علبة السجائر بدولار واحد مع نهاية العام 2008.
عجيب لهبك يا غزة، في شهر مايو 2008 انقطع الوقود
في غزة، وصار لتر السولار يساوي خمسة دولارات، واختفى البنزين،
وصار المشي على الأقدام رياضة الشيوخ والنساء قبل الرجال، وفي شهر
نوفمبر من نفس العام تغير الحال، صار لتر السولار في غزة يساوي نصف
دولار تقريباً. وفي المقابل اختفى غاز الطهي نهائياً، لتعود غزة
إلى العصر الحجري، بفعل حمالة الحطب، التي تحاول أن تضع في جيد غزة
حبل من مسد!!.
من كان يصدق؛ أن مدينة رفح جنوب قطاع غزة، حيث
المنطقة الحدودية الفاصلة بين مصر وفلسطين، والتي ظلت ميتة تحت قدم
الجيش الإسرائيلي، وظلت محلاتها التجارية مهجورة منذ عام 1967،
تاريخ الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة، وظلت ساحة مواجهة، ولا تسمع
فيها إلا الرصاص، ولا يحوم عليها إلا الموت، من كان يصدق أنها
ستصير في نهاية عام 2008 مركز غزة التجاري، وتنتقل من المكان
الأكثر خوفاً في فلسطين إلى الأكثر أماناً، ومن الأكثر إهمالاً،
وهجراً إلى الأكثر حضوراً، وثباتاً، وفي المقابل تموت الحياة في
محيط المعابر إلى الدولة العبرية بعد أن كانت تعج بالحياة.
عجباً صبرك يا غزة، اليوم، ومع نهاية شهر نوفمبر
2008، لا خبز في غزة، ولا غاز للطهي، ولا كهرباء للإنارة، ولا دواء
للعلاج، ولا عمل، وإضراب لبعض القطاعات الصحية، ولا بوادر مصالحة
وطنية إسلامية، ولا أضاحي لعيد الأضحى، ولا بهجة للحجيج، وتهديد
إسرائيلي بالاجتياح، وتهديد رام الله بإعلان غزة عاصية متمردة،
وقلق يفغر فاه، ومع ذلك في غزة رجال تعصب بالأمل الجباه، وتصر أن
غزة عنوان الكرامة العربية، والرجاء.
إنه ليل الظلم يا غزة، يتمطى بصلبه قبل أن يلفظ
أنفاسه الأخيرة، ليبدأ أبناؤك أركان الحياة، وتبدأ من فلسطين
الشهادة، والصلابة، والصلاة.
بقلم د. فايز أبو
شمالة
عودة |