الدكتور هيثم مناع في غزة، هذا خبر جيد
جداً، يخفف من وطأة الحصار، بل يجعل للحصار معنى لأن إسقاط هذا الحصار يكون
بمثابة عملية كبرى خارقة للانفتاح على حقوق شعبٍ من الألف إلى الياء. والدكتور
هيثم مناع، السوري، اللاجئ السياسي السوري في فرنسا، هو أحد أبرز الناشطين
العرب في مجالات حقوق الإنسان، وهو خبير دولي مرموق على صعيد العالم، وهو منسق
التحالف الدولي لملاحقة مجرمي الحرب، وعلى رأسهم بطبيعة الحال مجرمو الحرب
الإسرائيليين الذين صنعوا بأيديهم مشاهد المحرقة التي جرت في قطاع غزة والتي
بدأت في السابع والعشرين من ديسمبر 2008، وانتهت في الثامن عشر من يناير 2009،
ولكن تداعياتها المفجعة ما تزال مستمرة وسوف تبقى كذلك إلى زمن طويل. في مركب
"لاتيرنا" السياحي في مدينة غزة، استعمنا الأربعاء الماضي، إلى حديث مكثف،
ومفعم بالحقائق والشروحات قدمه الدكتور هيثم مناع حول طبيعة المحكمة الجنائية
الدولية، وتطور القوانين الدولية الصادرة بخصوص حقوق الإنسان، والصراع بين
السياسة والقانون في هذا المجال، ونفوذ الدول الكبرى، وصلاحيات المدعي العام
لمحكمة الجنايات الدولية أوكامبو، وفشل الحكومات العربية في الاستفادة من لغة
العصر، والإمكانيات المتاحة بالفعل أمام إمكانية محاكمة مجرمي الحرب
الإسرائيلية الذين ارتكبوا فظائع وأهوال الحرب الأخيرة على غزة. قال الدكتور
هيثم مناع، إن لجان التحقيق الدولية التي تابعت الحرب على غزة، كانت تعتقد أنه
يتوجب عليها أن تبذل جهدا كبيراً لتوثيق الأدلة والحقائق عن الانتهاكات
الإسرائيلية، ولكن ما أن تطأ أقدام هذه اللجان أرض غزة، حتى تصاب بالذهول، لأن
الأدلة والبراهين والحقائق واضحة وبشكل ساطع، بل إن قطاع غزة أشبه بالمجسم
الواضح الجلي لهذه الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية، وأنه حتى لو تم اعمار قطاع
غزة في وقت قريب، فإن هذه الأدلة والحقائق ستظل موجودة وشاهدة على بشاعة ما
حدث. بطبيعة الحال، فإن العناصر المؤثرة في أوضاع حقوق الإنسان على مستوى
العالم كله، وبالنسبة لنا في فلسطين على وجه الخصوص، وهي محصلة قوى وليس محصلة
نصوص، ولذلك فإن الدقة والمهنية والاحتراف هي مسائل جوهرية في عمل لجان التحقيق
الدولية وهيئات حقوق الإنسان والحاكم المتخصصة، وهذا ما راعته السلطة الوطنية
الفلسطينية من خلال جهودها في ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيلية، وهي جهود قادها
بكل جدارة الدكتور علي الخشان، وزير العدل الفلسطيني الذي كان في الأساس ناشطاً
بارزا على المستوى الدولي في مجالات حقوق الإنسان. محرقة غزة، أعادت إلى القضية
الفلسطينية كثيرا من الوهج الذي كان قد ضيعة الفلسطينيون أنفسهم في السبع سنوات
الأخيرة، نتيجة ممارستهم وخلافاتهم وانقساماتهم التي مازالت تشكل حاجزا سلبيا
حتى يومنا هذا، ولكن عبقرية الدم الفلسطيني أعادت الوهج إلى هذه القضية الكبرى،
ويقول الدكتور هيثم مناع، أننا قبل الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، حين كنا
ندعو إلى تظاهرة في أوروبا بالكاد يصل الرقم إلى ثلاثة آلاف شخص في أحسن
الأحوال، وها نحن نرى فعاليات مليونية، وأن هذه الفعاليات يقوم بها أوروبيون
بالدرجة الأولى حيث مشاركة العرب والمسلمين لا تتجاوز نسبة ضئيلة. وماذا بعد؟
الكلام مهم جدا، وأبوابه واسعة، والتقارير التي حملها معه الدكتور هيثم مناع
تحتاج إلى قراءة معمقة، وانتشار واسع، ربما نعود إليها مرة أخرى، ولكن حتى ذلك
الحين، فهذه تحية من الأعماق للدكتور هيثم مناع، ولكل أولئك الرجال والنساء
الشجعان على امتداد العالم الذين يواصلون العمل الشاق في مجالات حقوق
الإنسان!!! والتحية لدماء الضحايا من الفلسطينيين التي أعادت الوهج إلى قضيتنا،
فنرجو أن تكون هذه الدماء قادرة على أن تعيدنا نحن الفلسطينيين أولاً إلى عرش
هذه القضية قبل أي شيء أخر.