لا فضاءَ للحبر
في حَضرَة الدم ....فالمُفردات تتلوّى .والقصائد تتأبّى
..لم تّعتـّد التعرّي تماما ّومُقاساة هذه الفضيحة على
الهواء مباشرة....لم تعتَد التمطـّي على أرصفة المُهرولين
من مدنهم إلى مدن ٍأخرى لا يجدونَها ...وحتى لا يجدون دمعا
ًيُساكِنونَه حزنهم ، ويشركونه بعض حرقتهم ...أو محرقتهم
التي يكتوون .
الغزيّون ..على اختلاف أعمارهم وانتماءاتهم سيظلّون يكتوون
، ونحن نقف على عتباتِ الانتظار ...ليس انتظار صلاح الدين
القادم من خلف غبار يحجُب الرؤيا
عن
بصيرتنا ..بل انتظار التحاقنا بوجع الاكتواء ....أو رحلة
الشواء التي يُحضّرون .
في
غزة
..لِملَكِ الموت جناحان ، وهو يعاني من إلحاح ٍ شديد
يُطالبه بالتحليق في فضاءات لم يعتد التعامل معها على هذه
الوتيرة من الاقتناص ..بحجة القصاص ، يريدون استعجاله
بالريموت كونترول حينا . وبالأقمار الصناعية أحيانا ،
وبالعمى المطبق أحايين كثيرة..
في
غزة
.. يأتي الموتُ الرُضّعَ بصمت ... يموتون بهدوءِ وسكينةِ
من ينتظر تكبيرة إمام ٍ في الصلاة ..لا يصرخون ...لا
يُخبـِرون أحدا بموتهم ...وحدَهُ الدم يفشي السرَ ، ووحدها
(أميرة ) من سيكتب عنها المؤرخون (( وقد تسنـّمت عرش
الإمارة لتسعة عشر يوما ) ولم تتم العشرين .
وحدهم يموتون ...لم يلوح أحدهم بكفيه ..لم يلتقط بعد
طبشورة من صفـّه المدرسي ليكتب اسم حبيبته على السبورة
...ستفتقدهم طوابير الصباح ..وحُزَم الشّمس التي اعتادت أن
ترسم لهم ظِلالا يُلاحقونها ولا يـَصِلون ،..يجهدون
للامساك بها فتنفلت من بين أصابعهم كرغوة وجود لم يألفوه
بعد.
وحدهم الرجال في
غزة
يجهشون لوعة ًوحرقة ً تنثرها (سماح) بصمت على مُحيـّا والد
ٍ بُحّ صوته مناديا ..ولا من مُجيب ...
مثل هذا الموت مُتمنى ..لا يترك لك وقتا للتفكير بالبُكاء
، أو تحسّس الجراح ليُسقـَط في يدك إذا غطاها دمك المتدفق
من شرايينك ...هذه هي الشهادة ....كل الشهداء يكتبون
سِرّها على سَعَفِ النّخيل وأوراق البرتقال وجذوع الزيتون
، ونحن لا ننتبه ، نأكل التمر ونعصر البرتقال ونجمع الزيت
....ولا نعود إلا في الموسم القادم ...لنا مواسمنا .. ولهم
موسمهم الذي لا ينتهي ....لنا طقوسنا ، ولهم هَدأَتَهم
التي لا يتخلّون عنها ..ولا يمنعون أحدا عنها ..غبطة لا
حسد .
وحدهن نساء غزة يحصين الشهداء ...ينسُبنَهُن لهن ...لغزة :
تقول إحداهن : ابني ..وأبن أخي وابن عمي وابنتيه ..كلهم...
كلهم!!! .. لم تقل ابن داحس ولا نجل الغبراء ...اتهم
أبناؤها ..هي تطمع بالجنة .. ..وتتمسك ببنوة تنجيها من
موقف يوم عظيم .
وحدها غزة تلعق الظمأ وتجترّ اللوعة .. ويأتيها الموت
يُنسيها ظمأها وجوعها ويشرع لها ألف باب لا تتسع
للمتدفقين غلى أتون محرقتها
وحده البحر يبكي حين تحزن غزة.... لم يعد بامكانه مداراة
دمعه ، لذلك تتمسك غزة برذاذ يلفح القلوب ويطهر الأفئدة
ويخالط دموعا حارة تصنعها المحرقة ...
حسان غزال